رحلة "د. مها الشهري".. قصة الكفاح إلى أن أصبحت عميدة لكلية العلوم والآداب بالمجاردة
الحمد لله رب العالمين الذي مَنّ علينا بنعمة العلم وجعله سبيلاً للهداية ورفعة منزلة الإنسان في الدنيا، ومسلكاً إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض؛ لقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.
تتحقق الأحلام مع الطموح، ومع العزيمة تُذلل العقبات؛ حيث سُجِّلت قصة نجاحي التي ترجمتها من طالبة خريجة من قسم اللغة الإنجليزية بكلية التربية بالرياض إلى عميدة كلية العلوم والآداب بالمجاردة.
بدأت فصول قصة النجاح عندما بدأت "د. مها الشهري" حياتها العملية أثناء تخرجها في المرحلة الجامعية والتحاقها بالعمل الأكاديمي في مجال تدريس اللغة الإنجليزية، ثم دراسة الماجستير في تخصص اللغويات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض؛ وهي القصة التي سارت نحو تحقيق الأهداف الشخصية والأكاديمية، والتي تشكل النموذج العلمِي والإداري والأكاديمي القادر على تولي زمام الأمور في جامعة كبيرة مثل جامعة الملك خالد حالياً.
راودتني فكرة الطموح أن أضرب عصفورين بحجر واحد؛ أن أدرِّس وأتعلم في الوقت نفسه، لأستطيع بعدها مواصلة التعليم الجامعي وتحقيق الأحلام الحصولِ على الشهادات العليا. ومع الطموح تتحقق الأحلام، ومع العزيمة تتذلل العقبات، فتخرجت بنسبة عالية في جميع المستويات.
تشرفت بالابتعاث الخارجي لدراسة الدكتوراه في المملكة المتحدة من جامعة "ساوثهامبتون"، وحزت درجة الدكتوراه في اللغويات التطبيقية عام 2018م بعد رحلة علمية طويلة استمرت لسنوات، لتتوج بعدها بالحصول على درجة علمية استطعت من خلالها أن أساهم في دفع عجلة العملية التعليمية في بلدي، وتعزيز مخرجات التعليم في الجامعة التي أعمل بها.
وأود القول: "تُعد الدكتوراه مرحلة علمية معقدة بعض الشيء، لذا رغبت في أن أخفف من حدة هذه المرحلة بإضافة شغفي بالمسؤولية الاجتماعية نحو تحسين تعليم اللغة الإنجليزية ببلدي؛ فكان موضوع بحث الدكتوراه هو دراسة التغيرات التي تطرأ على الطلاب والطالبات السعوديين الدارسين للغة الإنجليزية في بريطانيا، وقياس عمليات التطور في الهوية الذاتية لهم والتغيرات التي تطرأ على دافعيتهم لتعلم اللغة الإنجليزية".
وهنا، فإنني دائماً أعرب عن شكري وتقديري للقيادة الرشيدة وأقول: "أتوجه بالشكر الجزيل إلى خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين - حفظهما الله - على دعمهم للعلم وللمبعثين في دول العالم، وكل ما نرجوه من العزيز القد
بعد عودتي إلى المملكة، كُلِّفتُ وكيلةً للتطوير الأكاديمي والجودة بكلية العلوم والآداب بالمجاردة بجامعة الملك خالد، ومن هنا سنحت لي الفرصة لتولي العديد من المناصب الأكاديمية بالجامعة؛ حتى صدر قرار رئيس الجامعة بتعييني عميدةً لكلية العلوم والآداب بالمجاردة، ومديراً تنفيذياً لفرع الكلية التطبيقية بالمجاردة، كنموذج نسائي جديد يتسم بالقيادة والحيوية لبنات الوطن.
خلال فترة عملي عميدةً للكلية، تميزت الكلية ولله الحمد على المستويين الأكاديمي والإداري، وهو ما دفع معالي رئيس الجامعة إلى تجديد فترة العمادة لي لسنوات إضافية. حققتُ نجاحات أكاديمية بالكلية من خلال الارتقاء بمستوى أعضاء هيئة التدريس وتنميتهم مهنياً، وحسن اختيار المقررات التعليمية والوسائل وتقنيات التعليم التي تعزز مخرجات التعليم. كما حرصتُ على تفعيل قنوات الاتصال بين الطالبات وأعضاء هيئة التدريس، وتذليل العقبات كافة التي تحول دون إتمام رسالة الكلية.
وعلى الجانب المجتمعي، كنتُ وراء الكثير من المبادرات المجتمعية التي تستهدف ربط الكلية بالمجتمع وتساهم في تفعيل دورها المجتمعي؛ حيث واصلت كلية العلوم والآداب بجامعة الملك خالد في محافظة المجاردة أعمالها ضمن "مبادرة التميز في التعلم الإلكتروني"، وذلك من خلال إقامة عدد من الدورات وورش العمل التي تستهدف طالبات الكلية وأعضاء هيئة التدريس فيها، لمتابعة الأداء في المبادرة والتعرف على المشكلات ووضع الحلول المناسبة لها وتطبيقها. وقد بلغ عدد المستفيدين من أعضاء هيئة التدريس والطالبات منذ انطلاق المبادرة (1478) مستفيداً ومستفيدة، وفق الخطة الموضوعة للمبادرة.
كما دعمتُ بالتعاون مع اللجنة الشبابية بالمحافظة مبادرة "التثقيف التقني" لأفراد المجتمع، والتي استفاد منها (5200) مستفيد ومستفيدة خلال الفصل الدراسي الثاني للعام الجامعي 1442هـ. وكانت المبادرة تهدف إلى تفعيل دور الكلية في خدمة فئات وشرائح المجتمع المختلفة في المجال التقني والإلكتروني، والمساهمة في توفير العديد من البرامج التدريبية والتقنية والمعلوماتية لمعلمي ومعلمات المنطقة، والعاملين في القطاعين الحكومي والخاص والقطاعات الخيرية والصحية وغيرها، إلى جانب تنفيذ العديد من البرامج الإلكترونية في مجال الحاسب الآلي، وتحسين جودة التعاملات الإلكترونية، وربط الكلية بالمجتمع من خلال مشروع توعوي تقني تنموي، ومساهمة طالبات الكلية في توظيف ما تعلمنه مجتمعي
وعلى الجانب الأكاديمي، كان اهتمامي بالجودة أمراً حيوياً؛ حيث بدأت كلية العلوم والآداب بالمجاردة في تطبيق معايير Quality Matters (QM) على عدد من المقررات في جميع أقسام الكلية، كخطوة تهدف إلى تطوير آليات التعليم وقياس مخرجات المقررات بما يضمن القدرة على تطوير المحتوى التعليمي، وذلك بالتنسيق مع جهات الاختصاص في الجامعة عبر مبادرة تهدف إلى تطوير الآليات المتبعة في تعليم المقررات المدمجة ورسم خطة تعليمية وفق معايير الجودة، لتحديد المخرجات والمقترحات التطويرية للمقررات وضمان القدرة على قياسها وارتباطها المنطقي بمخرجات البرامج والكلية. كما تَمّ رسم خارطة طريق للمبادرة لضمان تحقيق الأهداف المرجوة منها، تبدأ بتقديم عدد من الدورات التدريبية والورش التطبيقية المساندة لآليات تطبيق معايير QM لجميع أعضاء هيئة التدريس، لضمان تمكين الهيئة التعليمية من تطبيق معايير الجودة العالمية على المقررات الدراسية.
وعلى صعيد آخر، كانت رؤيتي للتعليم بالكلية خلال جائحة كورونا أمراً مشرفاً؛ فقد حققت الكلية إنجازات تعليمية مميزة في ظل الجائحة التي تسببت في تعليق الحضور داخل القاعات فقط، بينما استمرت الدراسة عن بُعد في تجربة أكدت نجاحها بالكلية نظراً لتوفر منصات تعليمية متنوعة متوافقة مع طبيعة المقررات وظروف الطلبة، وبنية تحتية متميزة، فضلاً عن توفر منظومات إلكترونية تفاعلية وأدوات تعليمية حديثة، وبرمجيات متخصصة مزودة بكفاءات عالية المستوى.
وانطلاقاً من إخلاص النية في العمل الصالح ومراقبة الله في طلب العلم النافع وأداء الرسالة التربوية، ومن مسؤوليتي المشتركة في الرقي بالعملية التعليمية والمساهمة الفعالة في المسؤولية المجتمعية، حرصتُ على تقديم كل الدعم والتشجيع على الابتكار والإبداع لدى الطالبات؛ فهنَّ أهم محور في العملية التعليمية وأحد أهم استثماراتها، وحثهنَّ على البحث العلمي. كما حرصتُ على تشجيع الكفاءات المتميزة من أعضاء هيئة التدريس والطالبات للمساهمة في صناعة المعرفة، مما يضمن تخريج كوادر مدربة وقادرة على الإنجاز بابتكار من خلال العمل على تحسين البرامج الأكاديمية المقدمة وطرق تدريسها، والارتقاء بالتعليم الذاتي وسبل البحث العلمي؛ ليكون للكلية بصمتها في إعداد كوادر أكاديمية وعملية متميزة قادرة على المنافسة في سوق العمل، للدفع بعجلة التنمية في المجتمع نحو التقدم والازدهار، وإعدادهم لمواجهة تحديات المستقبل وفق أعلى معايير الجودة.
وختاماً، فإنني دائماً أبذل كل الجهد علمياً وأكاديمياً لخدمة وطني ومجتمعي في ضوء توجهات هذا البلد المعطاء وتوجيهات قيادته الوفية نحو تنمية وطنية شاملة، متمنيةً وراجيةً من الله العلي القدير أن تضيف هذه الجهود للمجتمع ما يستحقه من الرقي والتطور في شتى الميادين.